السيد محمد باقر الصدر

79

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

والاقتصادية تسير سيراً معاكساً للاتجاه الذي قدّره ماركس . فلم يتفاقم التناقض ، ولم يتّسع البؤس ، بل أخذ بالانكماش نسبياً ، وأثبتت التجارب السياسية أنّ بالإمكان تحقيق مكاسب مهمّة للجمهور البائس بخوض المعترك السياسي دونما ضرورة لتفجير البركان بالدماء . وسار الماركسيون الاشتراكيون في اتجاهين مختلفين : أحدهما : الاتجاه الإصلاحي الديمقراطي . والآخر : الاتجاه الانقلابي الثوري . فالاتجاه الأوّل كان هو الاتجاه العام للاشتراكية في عدّة من الأقطار الأوروبية الغربية ، التي بدا للاشتراكيين في ضوء ما حصل لها من تقدّم سياسي واقتصادي أنّ الثورة أصبحت غير ضرورية . وأمّا الاتجاه الثاني فقد سيطر على الحركة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ، التي لم تشهد ظروفاً فكرية وسياسية واقتصادية مماثلة لظروف الغرب . وقام الصراع بين الاتجاهين الماركسيين حول تفسير الماركسية لحساب هذا الاتجاه أو ذاك ، وقدّر أخيراً للاتجاه الثوري في أوروبا الشرقية أن ينجح ، فهلّل له الاشتراكيون الثوريون ، واعتبروه الدليل الحاسم على أنّ الاتجاه الثوري هو الذي تتجسّد فيه الماركسية بمطلقاتها وأبدياتها النهائية . وفات هؤلاء جميعاً - كما فات ماركس قبلهم - أنّهم ليسوا إزاء حقيقة مطلقة أبدية ، وإنّما هم إزاء فكرة استوحاها ماركس من ظروفه والأجواء الفكرية والسياسية التي كان يعيشها ، ثمّ وضع عليها المساحيق العلمية ، وأعلنها قانوناً مطلقاً لا يقبل التخصيص والاستثناء . وليس من شاهد على ذلك أقوى من تناقض الاشتراكية الماركسية في اتجاهها بعد ماركس - كما أشرنا سابقاً - واتخاذها في الشرق طابعاً ثورياً ، وفي